ما تثيره فتوى فضل الله حول «جرائم الشرف»...    
نهلة الشهال   
 
 يومية الحياة اللندنية، ملحق تيارات، تصفح 26/08/2007

http://www.alawan.com/index.php?option=content&task=view&id=1568&Itemid=44

أهمية الفتوى الشرعية الصادرة منذ أيام، والتي حرّم بموجبها السيد محمد حسين فضل الله ما يقال له «جرائم الشرف»، لا تكمن في صدورها فحسب، وإن كان تكرار مثل هذه الفتاوى مطلوباً. أهميتها تقع عند المبررات التي أوردها السيد فضل الله للتحريم من ناحية، وعند ما تثيره – أو يفترض – في عالم الفكر الإسلامي، من ناحية ثانية.

يقول السيد إن «جريمة الشرف تمثل عملا منكرا ومحرما من الناحية الشرعية، وتترتب عليها كل تبعات الجريمة من دون أن تحمل أي عناصر تخفيفية لمن يرتكبها». وفي حيثيات ذلك يشدد على أمور ثلاثة، أولها أن العفة ليست ضريبة على المرأة وحدها، وثانيها أن الرجل، أيا كانت درجة قرابته بالمرأة المغدورة، لا يملك ولاية تطبيق القانون، وآخرها أن العذر المخفف لا ينطبق على هذه الجريمة الكاملة. ثم يذهب السيد إلى أن هذه الجريمة تستحق العقاب في الدنيا، كما هي «من الكبائر التي يستحق مرتكبها دخول النار».

تستنكر الفتوى إعفاء الذكور من متطلبات العفة والشرف والمرؤة، وتشير إلى أن مرتكبي تلك الجرائم بحق النساء «لا يثير حفيظتهم ارتكاب الذكور من أقربائهم لأمور مماثلة»! ها قد أعاد السيد فضل الله الاعتبار إلى المساواة بين المرأة والرجل في أمر السلوك، وهي مساواة يشدد عليها القرآن الكريم في عشرات الآيات، وإنما تنزلق عنها أبصار الناس، فيتجاهلونها مرددين ببغاوياً ما يقرأونه أو يحفظونه من الكتاب، دون أي قدر من الإعقال. هذا لجهة ما يعتبر قناعات عامة سائدة تظن أن لها سندا دينيا، وهي في الحقيقة تمارس هنا ليس فحسب تأويلاً منحرفا للدين بل تسقط عليه ما يناقض صراحة أحكامه. ثم تساند القوانين الوضعية هذا التزوير، فنجدها تعتمد العذر المخفف لمرتكب ما يسمى جريمة الشرف، الذي ينجو هكذا بفعلته من العقاب القانوني، بل يروح يتباهى بما قام به ويدرجه في سياق وفائه لقيم الجماعة... تواطؤ متعدد الأطراف لعل فتوى السيد فضل الله تساهم في تفكيكه.

ولتوضيح أبعاد هذا الموقف، قد تفيد استعادة فتوى سابقة للسيد فضل الله تتعلق بختان البنات، أشار فيها إلى أن هذه عادة اجتماعية وليست صنيعة الإسلام. وهو في معرض شرح فتواه يقول إن الإسلام قد اتخذ أحيانا نهجا تدرجيا في علاج بعض العادات والسلوكيات وحتى الأفكار، ولكنه سعى إلى «إيجاد الأرضية الفكرية التي تحترم المرأة كإنسان له وجوده إلى جانب الرجل في الحياة، والتي تساهم في إيجاد الأرضية النفسية التي تثق فيها المرأة بنفسها، وتملك الشعور بحضورها، بالإضافة إلى إخراج الجنس من إطار العيب الاجتماعي بالنسبة للمرأة، ووضعه في الموضع الطبيعي البشري الذي هو حق للمرأة وللرجل».

في الجانب الثاني من فتوى «جرائم الشرف»، يشدد فضل الله على عدم امتلاك الجاني لولاية تطبيق القانون على المرأة، ومنها «حقه» في إنزال العقاب عليها بنفسه، وفي هذا الموقف ما يعزز فكرة المساواة بينهما بواسطة إعادة الاعتبار إلى سلطة المؤسسات، وهي سلطة موضوعية وحيادية، وإلغاء الأساس الشخصي والقبلي الذي يعتد به مرتكب «جريمة الشرف». وأخيراً، يتوعد السيد المجرم بقصاص الآخرة علاوة على عقوبة الدنيا غير المخففة، ويعتبر أن تلك جريمة قتل كاملة تودي بصاحبها إلى جهنم، مما يفترض به أن يشكل رادعا للناس عنها.

ليس ما يضاف إلى فتوى فضل الله. وإنما السؤال هو حول الوسائل التي تتيح لها اكبر قدرة ممكنة على حيازة كل مداها. فالمواقف تخنق أحيانا بالإهمال والتجاهل، وهى وإن بقيت علامة مضيئة في سجل صاحبها، يجري طمر مفاعيلها وفعاليتها. ولمواجهة ذلك، ليس أفضل من إثارة النقاش وتوسيع دائرته: هذه الفتوى مدخل لنقاش موقف الإسلام من المرأة، والصراع من أجل إبراز تأويل يتجه نحو مقارعة المفهوم الغالب والمسيطر وإظهار مخالفته للنص الديني ولروحه. ومن غير المفيد في اعتقادي «التعالي» عن هذا النقاش، والذي تتخذه بعض الاتجاهات النسوية وبعض المثقفين، فالإسلام قوة اجتماعية هائلة، وهي غير قابلة لا للتجاهل ولا للتجاوز، والانخراط في الصراع النظري والسجالي من أجل تثبيت وبلورة مفاهيم تستلهم الإسلام وتأول نصوصه بما يخدم تقدم مجتمعاته وتحررها معركة كبرى. ويحضر إلى ذهني في هذا المجال الجهد المتواصل والهائل الثراء الذي يقوم به الأستاذ جمال البنا، والذي لا تعرفه إلا قلة من الناس، رغم الأهمية الكبيرة للمقاربة التي يتبناها ويدافع عنها الأستاذ البنا بحيثيات مستندة إلى معرفة عميقة بالفكر الإسلامي والنص الديني، وإلى انتماء وانحياز إلى الإسلام لا يمكن التشكيك به.

وهنا يثار سؤال آخر متعلق بقوى هذه المعركة. فإن كان مسلّما به أن الإسلام ليس واحدا بالمعنى الاجتماعي، وأن النقاش حول «الجوهر» لا قيمة له طالما أن البشر هم من يتعاطى مع الدين، والبشر طبقات، وتركيبات اجتماعية، وخبرات تاريخية، ووعي، وثقافة، ونوازع. وعلى مقدار تنوع هذه المعطيات تتعدد احتمالات التفسير وتتكاثر حقيقة أن هناك توظيفا للدين كقوة اجتماعية، وان أصحاب السلطات أقدر على ممارسة ذلك من سواهم، وأن نظرتهم تختلف بالضرورة عن نظرة المظلوم والفقير والمضطهد، وكذلك مصالحهم، فالسؤال يتعلق عندها بالحاجة - الملحة - إلى بلورة منظومة أخرى غير تلك المهيمنة والتي تقدم نفسها كمنظومة وحيدة مطلقة وبديهية. وفتاوى كتلك التي يقدمها السيد محمد حسين فضل الله ويشرح محركاتها في جهد تربوي تثقيفي، هي مساهمة الرجل في تحقيق هذه الضرورة. وكذلك بالنسبة لجمال البنا ولقلة من رجال الدين والمفكرين. فماذا عن سواهم؟ وما الذي يمنع حركات سياسية سواء انتمت إلى الإسلام أو إلى إيديولوجيات أخرى، من تناول الموضوع، متسلحة بالدرع الذي توفره لها فتاوى فضل الله، فتخالفه إن شاءت أو تضيف عليه أو تكتفي بتأييده... لكنها لا تشارك في تقنية الخنق بواسطة الصمت!

ولست أتكلم على مسألة المرأة فحسب، على أهميتها الكبرى بدليل التوظيف المتعدد الأوجه الذي يطالها، بل على كافة القضايا.