ما بعد حيفا..وتغيير وجه المنطقة شواهد إسرائيلية من مفاجآت نصر الله

عدنان أبو عامر

باحث فلسطيني في الشؤون الإسرائيلية

2007-08-19    

فلسطين

 

كعادته في كل مناسبة وخطاب، فاجأ السيد حسن نصر الله، دولة إسرائيل، حكومة وجيشا ومستوطنين، وما دام الرجل يكتسب ثقة ومصداقية عز نظيرها في نظر الإسرائيليين، فقد كان لتصريحاته الأخيرة وقعها الشديد على مختلف الأوساط الإسرائيلية، لاسيما وأن الذاكرة ما زالت تحفظ عن ظهر قلب مفاجأة ضرب البارجة البحرية على الهواء مباشرة، فكيف لو كان يهدد بمفاجأة ثقيلة العيار هذه المرة، مؤكدا أنها ستغير وجه المنطقة بأسرها؟

التحليل التالي يعود بنا عاما كاملا إلى الوراء مستعرضا أهم المفاجآت التي هدد بها حزب الله وأمينه العام، وكيفية التعامل الإسرائيلي معها، ميدانيا كان أو سياسيا، لاسيما وأن إسرائيل تحيي هذه الأيام الذكرى السنوية الأولى لانتهاء الحرب، تاركين للقارئ أن ينظر في قادم الأيام التي تخبئ بالتأكيد حجم وطبيعة ومجال وميدان مفاجأة نصر الله القادمة.

 

·        أولا: مفاجآت نصر الله..تبدأ ولا تنتهي

منذ اللحظة الأولى لاندلاع المواجهة العسكرية بين حزب الله وإسرائيل، بدا من الواضح أن الجيش والحكومة الإسرائيليين تلقيا سلسلة من المفاجآت غير السارة من قبل رجال المقاومة، وخلال المعركة أشار الوضع العسكري إلى حدوث ما يشبه "المعجزة" فى قدرات حزب الله، وإذا شئنا اللغة العسكرية فإن ثمة مفاجآت إستراتيجية حققها الحزب فى المواجهة العسكرية، مما دفع العديدين للقول أن هذه الحرب كلها مبنية ومستندة تماما على كثير من المفاجآت، وبالإمكان استعراض أهم هذه المفاجآت:

1- كانت المفاجأة الأولى في "إلقاء القبض على الجيش الإسرائيلي وهو في حالة قصور"، سواء في عملية في كرم أبو سالم بغزة، أم في الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، وقدرة حماس على حفر نفق طويل مما شكل مفاجأة لموقع عسكري في حالة تأهب، وقدرة حزب الله على المفاجأة بعد ذلك بأسبوعين لدورية في الحدود الشمالية، هاتان المفاجأتان كان يفترض بالجيش أن يستخلص منهما الدروس في الوحدات والقيادة، وأن "يجلد نفسه" على الإهمال الزائد والحرص على ألا يتكرر مثل هذا القصور، الذي يغير من الأساس إمكانية التصعيد الكامنة فيه، بعد أن نجحت المنظمتان، حماس وحزب الله، بأسر جنود، وجر إسرائيل وجيشها داخل مناطق سكنية مأهولة على جانبي الحدود في المنطقتين.

2- دقة الصواريخ التي أطلقتها المقاومة، فقد كان معروفا من قبل امتلاك حزب الله لصواريخ قادرة على الوصول للأراضي خلف الخط الأزرق، سواء بحكم التسريبات الإسرائيلية للإعلام منذ فترة طويلة، أو بحكم أن قائد حزب الله أعلن عن امتلاك مثل هذه الصواريخ، مؤكدا على الرقم الذي تناثر هنا أو هناك، 12 ألف صاروخ، وتاركا الباب مفتوحا لما هو أزيد، لكن المفاجأة جاءت في دقة إصابة هذه الصواريخ، كما ظهر في ضرب قواعد عسكرية بعينها، أو مطارات عسكرية، أو محطات القطار في حيفا، أو حتى في تجنب قصف المصانع الكيماوية، في تهديد خطير فهمته إسرائيل جيدا.

3- فضلا عن دقتها، جاءت المفاجأة في مدى الصواريخ المستخدمة، وإعلان حزب الله عن امتلاك صواريخ ذات مدى أبعد، قيل إنها تصل تل أبيب وربما بعدها أيضا، واستمرار القدرة على إطلاقها رغم امتلاك إسرائيل كل الإمكانيات لإسكاتها، علما بأن الأوساط العسكرية الإسرائيلية تداولت سرا وعلنا أن الحزب يملك صواريخ قادرة على الوصول إلى عكا وحيفا، حيث اعتبر إطلاق الصواريخ نحو حيفا خطوة إستراتيجية خطيرة، ورأت فيها إسرائيل تصعيدا كبيرا لا يقل خطورة، وربما أكثر من المس بالدورية العسكرية وأسر الجنديين.

غير أن استخدام هذه الصواريخ ووصولها فعلا إلى حيفا حمل عدة مفاجآت:

أ‌- استمرار إطلاق الصواريخ رغم القصف لكل الشاحنات التي تسير في لبنان،

ب‌- الإعلان عن مدى أبعد للصواريخ،

ت‌- عدم قدرة التكنولوجيا الإسرائيلية على إسقاطها.

4- قدرة مقاتلي حزب الله على إطلاق صواريخ من الأرض باتجاه البحر، وإصابة أحدث القطع البحرية الإسرائيلية، وهو تطور استراتيجي ليس له سابقة من قبل، مما كان له وقع الصاعقة على الجيش الإسرائيلي، وجعلته يخرج بوارجه الحربية من عمليات القصف للأراضي اللبنانية على الأقل باتجاه بيروت، وهكذا فاجأ حسن نصر الله إسرائيل وجيشها مما دفع للاعتقاد بأنه يمتلك كل ما هو موجود بحوزة الإيرانيين.

5- مفاجأة الصواريخ المحمولة والموجهة إلى الدبابات والعربات العسكرية، ففي بداية المعارك تمكنت المقاومة من ضرب دبابة الميركافاه، بحيث سقطت أسطورة هذا النوع من الدبابات التي تعتبر العصب في القوات العسكرية البرية، والتي تعلق إسرائيل الآمال الكبيرة عليها في صفقات الأسلحة للخارج، وفي حين تمكنت المقاومة الفلسطينية من إصابة الميركافاه وإعطابها في قطاع غزة، نجح حزب الله في إحراق الدبابة بكاملها، وحسب المعطيات التي تجمعت في سلاح المدرعات، فقد تمكنت الصواريخ المضادة للدروع التي أطلقها حزب الله من تدمير عدة دبابات، وقتل 30 جنديا من رجال طواقمها، منهم 17 بإصابات من صواريخ مضادة للدروع، والباقي بعبوات زرعت أو جراء أخطاء، وبصورة إجمالية تمكنت الصواريخ المضادة للدروع من اختراق مدرعات عشرات الدبابات، كما أصيبت عُشر الدبابات التي شاركت في القتال على مستويات مختلفة من الشدة.

6- المفاجآت الأمنية الاستخبارية، وأهمها:

أ‌- قدرة المقاومة على المراقبة واختراق الاستخبارات الإسرائيلية، وتجلى في العديد من المناسبات والمواقع،

ب‌- التخطيط والتنفيذ الدقيق لأسر الجنديين، وهي عملية مركبة ومعقدة، وأخذت الجهد الكبير لإنجاحها ومنها إمكانية اختراق العصب الأمني الإسرائيلي لترتيب الوسائل اللوجستية المتعلقة في تنفيذ العملية،

ت‌- تمكن المقاومة من الدخول لأجهزة الكمبيوتر الشخصية للضباط الإسرائيليين المرتبطين بمراكز القيادة والتحكم، وهو أمر ليس طبيعيا على مستوى الجيش الإسرائيلي، وهو اختراق ساهم مساهمة حاسمة في إنجاح العملية، وفضلا عن كونه اختراقا أمنيا، فإنه يعتبر إنجازا تقنيا للمقاومة، وأحد عناصر المفاجأة أيضا،

ث‌- قدرة المقاومة على قصف العديد من المواقع العسكرية الحساسة، كمراكز القيادة والتحكم والمطارات الحربية، ومراكز التخزين، الأمر الذي دل على قدرة المقاومة على تجميع المعلومات واستثمارها عسكريا بالشكل المطلوب.

7- رغم الاستهداف غير المسبوق لوسائل الإعلام، فقد بقيت فضائية المنار التابعة لحزب الله، تبث طوال ساعات الحرب ولم تتوقف سوى ساعات معدودة، مما أوقع سلاح الجو، نخبة الجيش الإسرائيلي، في حرج شديد، ودفع الخبراء ليسألوا: إذا كان عجز الطيران قد فضح أمره في التعامل مع قناة فضائية علنية لها أقمار صناعية وترددات من السهل كشفها، فكيف سينجح في الكشف عن كهوف يكمن فيها مئات المقاتلين؟

 

·        ثانيا: كيف فاجأ مقاتلو حزب الله الجيش الإسرائيلي؟

لم يكد الجيش الإسرائيلي يستفيق من المفاجآت الاستخبارية والأمنية التي استبقت شن الحرب على لبنان، حتى قدم حزب الله مفاجآت جديدة ومن نوع جديد على يد مقاتليه في ساحة المعركة، بحيث وقف الجيش الإسرائيلي أمام نظريات قتالية جديدة، لم يعهدها من قبل، لا في حروبه النظامية مع الجيوش العربية، ولا في مواجهة حركات المقاومة الفلسطينية، وبالإمكان إجمال الحديث عن المفاجآت الميدانية التي "أهداها" مقاتلو حزب الله لجنود الجيش الإسرائيلي على النحو التالي:

1- اتخذت المقاومة أسلوبا قتاليا يعتمد طريقة "الخطوة خطوة"، حيث استخدمت قواتها ببطء وتأن، ليدخل السلاح الجديد تلو الآخر بالتزامن مع التصعيد الإسرائيلي، وكان لهذه الخطة فاعلية ملموسة على القدرات العسكرية للجيش الإسرائيلي، وقد لوحظ خلال أيام القتال نجاح حزب الله في استدراج القوات الإسرائيلية إلى مناطق مجهزة، يطلق عليها مناطق "قتل الدبابات" وهو ما حدث يوم معارك 12 أغسطس.

2- استفاد مقاتلو حزب الله من تجارب مقاتلين سابقين في ساحات أخرى من الصراعات المسلحة في أماكن مختلفة من العالم، في الوقت الذي فشل فيه الجيش الإسرائيلي من استخلاص الدروس والعبر منها، وهو الذي يمتلك الأكاديميات العسكرية المتطورة.

3- القدرة على مواصلة المعركة على مساحة الأرض اللبنانية، والأراضي الممتدة من شمال فلسطين المحتلة، بما يعنى أن حزب الله أصبح لديه قدرة هائلة تجمع بين تكتيكات المقاومة وقدرات الإدارة الإستراتيجية لمعارك الجيوش، من خلال التدرج التاريخي الميداني، الذي أشار لامتلاك المقاومة لقدرات إستراتيجية في إدارة معركة من هذا الطراز، وهو ما ظهر وانعكس بدوره في القدرة على تسيير المعارك وفق خطط محسوبة على المستويين السياسي والعسكري معا، إذ بادل حزب الله القصف بالقصف على مستوى القواعد العسكرية، كما بادله على مستوى المدنيين، وكذا على مستوى عمق القصف، وأيضا على صعيد المنشآت.

4- إعلان الجيش الإسرائيلي عبر أحاديث قادته وضباطه أن ما يواجهه جنودهم في ميدان المعركة ليس ميليشيا، بل لواء من القوات الخاصة في جيش نظامي عصري، حيث أن مقاتلي حزب الله مدربون إلى أقصى الحدود، ومجهزون بشكل جيد، ومندفعون لمواصلة القتال، ورغم أن حزب الله يمكن تصنيفه على أنه "ميليشيا" في التعريف العسكري، إلا أن أداء مقاتليه في الميدان بدا وكأنه يتدرب كجيش نظامي، ويتسلح كأن مقاتليه جنود في جيش دولة، حيث أن عناصره مدربون، وذوو كفاءة عالية، ومزودون بسترات واقية، ونظارات للرؤية الليلية، وأجهزة اتصالات حديثة، الأمر الذي دفع عددا من المسئولين الإسرائيليين للإعلان أن حزب الله دولة في داخل دولة!

5- إتقان مقاتلي حزب الله لفن الاختفاء والتمويه، فقد أكدت شهادات عديدة لجنود إسرائيليين عادوا من ميدان المعركة، أن خصومهم أداروا معاركهم وحاربوا بإصرار وضراوة دون أن يكون لهم ظهور حقيقي على وجه الأرض، لقد عملوا تماما كما هو متوقع من منظمة "عصابات" يشن أحد الجيوش عليها حربا، ويتفوق فيها عليها بالعدة والعتاد، حيث اختفى مقاتلو حزب الله بالقدر الممكن، يضربون من مواقع خفية، وينتظرون حتى تمر موجة الغضب لكي يتجمعون من جديد، ومن ثم يضربون مرة أخرى.

6- المفاجأة المتمثلة بالإصرار العنيد على المواجهة، فقد روى قادة مقاتلي وحدة "ماغلان" الذين خرجوا من منطقة مارون الراس، بأن الحديث يدور عن منظمة استعدت جيدا لهذه اللحظة، تعرف كل نبتة وكل حجر، حيث اصطدم مقاتلو وحدات مختارة من الجيش بمقاومة عنيدة من مقاتلي حزب الله، وروى أحد القادة في الوحدة المختارة قائلا: لقد خسرنا الاتصال الاستخباري بالمنطقة فيما واصلوا هم، المقاومون، تثبيت أنفسهم، وإذا كنا ذات مرة نعرف المنطقة على ذات المستوى الذي يعرفونها به تقريبا، فاليوم لا يكاد يوجد أناس في الوحدات التي قاتلت في حينها يعرفون المنطقة المعقدة، ونوع النشاطات التي كانت فيها، مع أننا تدربنا تدريبا قصيرا على مواقع تتلاءم بقدر أكبر مع المناطق المبنية، بين الحين والآخر على مواقع مشابهة لتلك في لبنان.

 

·        ثالثا: التعامل الإسرائيلي مع مفاجآت حزب الله

كما فعلت أجهزة الاستخبارات، فقد لجأت الحكومة والجيش إلى خطوات دفاعية، حاولت في جميعها دفع "تهمة المفاجأة" عن نفسها، وتبين ذلك من خلال:

1- جملة تأكيدات أصدرها قادة المؤسستين العسكرية والأمنية تشير في مجملها إلى أنهم لم يتفاجأوا من قدرات حزب الله، لكنهم فوجئوا من توفر إرادة سياسية وجرأة غير معهودة على استخدام هذه القدرات.

2- إشاعة أجواء تشير إلى أن حزب الله فوجئ تماما من قوة رد الجيش الإسرائيلي، وجاء ذلك على ألسنة رئيس الوزراء ووزير الدفاع ومتحدثون باسم الأجهزة الأمنية، علما بأننا إذا سلمنا بذلك، فإنه لا يعني دفع "تهمة المفاجأة" التي صدمت إسرائيل، جيشا وحكومة، مما يدفع إلى القول أن نظرية المفاجأة العكسية التي تحدث عنها "أولمرت وبيرتس"، تعني بأن الطرف الآخر، أي حزب الله، ساذج، ولا يفهم قواعد لعبة الحرب مع إسرائيل، وهذا اعتقاد ليس له أصل في تاريخ الرد والتعامل لحزب الله في الماضي البعيد ولا القريب!

3- إشاعة مفاجأة حزب الله بالرد الإسرائيلي، تطرح أسئلة أحضرها الجنود من ميدان المعركة، التي استنطقت إجابات محددة أهمها أنه تماما مثلما استعد الجيش الإسرائيلي لهذه المواجهة، وأعد أهدافا وجمع معلومات، فقد تصرف حزب الله بذات الطريقة، حيث نشر بحكمة مواقعه واستعد للدفاع عنها، أكثر من ذلك، فوفقا لتقارير استخبارات سلاح الجو الإسرائيلي ذاته، مكث مقاتلو حزب الله الذين يطلقون الصواريخ منذ أيام عديدة داخل عشرات الكهوف والمواقع على امتداد الحدود، ولديهم داخل هذه الكهوف ماء وطعام يكفيهم لأيام طويلة، وكل مغارة متصلة مع منطقة تحكم وسيطرة لوائية في شبكة اتصالات محكمة، مقاتلو حزب الله موجودون في باطن الأرض، ومن يطلقون الكاتيوشا فقط هم الذين يتواجدون فوق الأرض، ولكن من الصعب جدا مشاهدتهم في نظرة من الأعلى.

4- التخبط الإعلامي في التصريحات الصادرة عن قادة الجيش في أعقاب المفاجآت الميدانية للمقاومة، ولعل أهمها مفاجأة قصف البارجة البحرية، ففي حين دعا أمين عام حزب الله العالم بأسره لرؤية البارجة تحترق، في تنسيق غير مسبوق، بين القول والفعل، بين الوعد وتحقيق الوعد، رأينا العسكريين الإسرائيليين يتخبطون في التعامل مع هذه المفاجأة، ففي حين نفى الجيش أولاً الخبر جملة وتفصيلاً، عاد يتحدث عن إصابات طفيفة، وعرض صوراً لبارجة شبيهة لم يكن عليها سوى "خدشين بسيطين" هما آثار تلك العملية، ثم تحدث فيما بعد عن أضرار بالغة، ثم عن شحن السفينة إلى داخل فلسطين المحتلة ليعلن عن أربعة جنود بحريين مفقودين، وهكذا خلال ساعات صدرت مواقف متناقضة وبلاغات متنوعة، لنكتشف حجم الاضطراب في الأداء العسكري الإسرائيلي.

5- أخذ التعامل مع هذه المفاجآت محاولة التهويل من قدرات "العدو" في خطوة لاستدرار التعاطف الدولي من جهة، وبقاء الالتفاف الشعبي الإسرائيلي الذي أصابه التصدع كلما طال أمد الحرب من جهة ثانية، وتقديم مسوغات جاهزة مسبقا لأي ردود هستيرية ضد المقاومة من جهة ثالثة.