|
|
|
من الاجتهاد الجهادي إلى الصراع على الدعم سلطة بثلاث ميزانيات...خطيرة
د. عادل سمارة كنعان – النشرة الالكترونية 11 نيسان 2006 العدد 819
http://www.kanaanonline.org/articles/00819.pdf
ليس في عداد المهارة الفكرية القول أن القضية تمر "اليوم –كما قيل عن كل يوم" في أدق مراحلها. دعنا نقول أن هذه مرحلة حرجة كالأخريات. فقد كان قبول أكثرية منظمة التحرير بأوسلو تحولاً خطيراً في الصف الوطني الفلسطيني. أما اليوم، فإن التحاق حركة حماس بأوسلو يعني أن الاكثرية الساحقة من القوى الفلسطينية قد قبلت بأوسلو، بغض النظر عن المستوى والطريقة.
وقد يسأل سائل، لا بأس، إذا كانت الاكثرية إذن قد قبلت بأوسلو، فعلام الاختلاف في الصف الفلسطيني إذن؟ بمعنى أنه طالما الجميع على موقف معين، ولو بفروقات، فمن المفترض تكوُّن حالة من التحالف الوطني او الجبهة الوطنية. ولسوء الحظ، ليس هذا هو الحال.
لن ندخل هنا في هذا الأمر، ولكننا سنتناول كيفية توظيف الآخرين له. والآخرون مهمين جداً هنا، لأن القضية الفلسطينية قضية دولية، وفي هذه المرحلة تحديداً هي قضية "مدوّلة" اكثر مما هي عربية.
تتبيع اقتصاد الارض المحتلة 1967 لاقتصاد الاحتلال، وتحويله إلى حالة من العجز البنيوي، جرى تسليم هذا الاقتصاد للدول الغربية "المانحين" لتمويله. وبالمناسبة، لم يكن هؤلاء الغربيون بعيدين عن الصورة قبل 1993، واتفاق أوسلو. فقد كانوا قد اقاموا العديد من المنظمات غير الحكومية التي تتمول منهم مباشرة، والتي تعمل بموجب تفاهمها مع مموليها الغربيين، وبمعزل عن منظمة التحرير، واستمرت لاحقا في العمل بعيدا عن سلطة الحكم الذاتي. ولا شك أن كثيرين كانوا قد تابعوا خصومات هذه المنظمات مع السلطة. ولأن هذه المنظمات بلا مصدر غير التمويل الأحنبي فقد وصلت علاقتها بالممولين ان "طالبوها بالتوقيع على وثيقة "عدم تمويل الإرهاب".
واليوم، بعد فوز حماس في الانتخابات وتشكيل حكومة من هذه الحركة، انبرى هؤلاء الممولون ليستثمروا اختلالات عديدة في بنية السياسة والمجتمع والثقافة في مناطق السلطة الفلسطينية.
فبما أن الممولين الغربيين قد تورثوا دعم اقتصاد المناطق المحتلة، وجدنا أن هؤلاء الممولين قد اصبحوا في موقع من يحدد سياسة وآلية دفع وتصريف هذه الاموال. اي ان التمويل اصبح حالة استعمارية.
لقد اشرنا منذ سنوات إلى ان الاراضي المحتلة عام 1967 خاضعة لاحتلال أي استعمارعسكري "اسرائيلي" واحتلال اقتصادي غربي. وها نحن نلمسها هذه المرة بوضوح. فقد أعلنت الولايات المتحدة بوضوح أنها سوف تستمر في تقديم الدعم للفلسطينيين ولكن ليس من خلال حكومة حماس. وأنها سوف تفتتح مكتباً لوزير المالية السابق سلام فياض لممارسة عملية التمويل، وبهذا، إذا حصل، سيكون السيد فياض أو من يقوم هذا الدور وزير مالية موازٍ للسيد عمر عبد الرازق، وسيكون كل من يتلقى تمويلاً، هو بديل للسلطة الشرعية، ليس لأنها اتت عبر اوسلو، بل على الأقل لأنها بإجماع اكثرية الناخبين!
ولهذا التصريح، وهو موقف بالطبع، معنيين على الأقل:
الأول: أن الولايات المتحدة كما هي اسرائيل وأوربا لا يريدون اقتلاع السلطة، اي انهم متمسكون بوضوح بأوسلو مما يعزز قناعاتنا بأن هذا الاتفاق ليس في صالح شعبنا، بل هو في صالح الطرف الآخر بامتياز.
والثاني: ان هذا القرار يعني بأن الولايات المتحدة ومن ورائها من المانحين قرروا تقسيم الصف الفلسطيني إلى ثلاثة: 1- السلطة الشرعية المنتخبة ممثلة في الحكومة ومعظم التشريعي، وهذه سلطة بشرعية ولكن بلا صلاحيات. وعليه، فهي إذا لم توفر للموظفين رواتبهم، فهي لا بد ستفقد وزنها واحترامها وقد تتعرض لتطاولات وربما تمرد مما يهيىء مناخاً لانقلاب فاشي، يموله ويدعمه الممولون أنفسهم. 2- سلطة الرئاسة الفلسطينية، والتي تتقاسم السلطة التنفيذية مع الحكومة، وتحظى بدعم أجنبي، مما يعطيها قوة مالية أعلى من قوتها الشرعية لا سيما ,انها تنفيذية وليست تشريعية اساساً. ويتضمن هذا فيما يتضمنه الاستمرار في سياسة وجود "ميزانيتين" لسلطة واحدة كما كان في عهد الرئيس ياسر عرفات. وهو الأمر الذي لم يحصل في اي مكان في العالم! 3- سلطة "الأنجزة" وهي لا تشريعية قط، ولكنها متمولة بامتياز. وهذه ستكون كما هي الآن يد الغرب الواضحة داخل البلد.
نحن إذن أمام ثلاثة مراكز سلطوية متنافسة. لاحظوا ! لقد انتقل الخلاف الفلسطيني من المسائل النضالية بما فيها حق العودة إلى خلافات مناصبية تمويلية سلطوية...الخ. وهذا هو النصر الحقيقي لهم والهزيمة الحقيقية لشعبنا. إن وصول الخلاف وربما الاقتتال إلى هذا الدرك، يعني وصولنا إلى حد الكارثة بعينها.
ماذا يعني هذا التحكم الاجنبي بالوضع الفلسطيني، وفرض أجندتهم علينا لنتصرف ونتقاتل ونتفرق كما يريدون؟ إنه يعني بوضوح أن المولين بما لديهم من أجندة اصبحوا هم الطرف الأقوى في الساحة الفلسطينية وبأن تحت إمرتهم قوى مقررة وضاربة.
وعليه، لا بد من موقف حاسم في هذا الصدد. ولو كان الأمر بيدنا لقلنا يجب رفض الدعم الأجنبي وطرح شعار "التساوي في الفقر، التساوي في المحنة". ولكن، لا يمكن نقل القوى ولا حتى المجتمع إلى هذه الحالة بعد عقود من التجويع والتتبيع. لذلك، لا بد من إضراب تضامني، وهذا اضعف الإيمان:
على مختلف القوى والمؤسسات والأطراف والأفراد ان يرفضوا قبول اي تمويل من اي طرف يتجاوز السلطة الشرعية، أي الحكومة تحديداً. وحتى لو كان هذا الطرف عربياً، فيجب رفضه وصده لأنه ، ربما بلا قصد، يصب في موقف الطرف الآخر.
هناك من يزعم ان السلطة الجديدة، سوف تنهب وتفسد...الخ ربما، ولكن لنرى. فطالما جرى انتخابها، فستجري محاسبتها؟ وإذا كان من هو في السلطة معرض للفساد، وهو في السلطة وتحت المجهر، فما بالك بمن لا يعرف أحد كم يتقاضى ومن اي طرف، ومتى!
لقد نقل الغربيون شعارهم من "فرِّق تسد" إلى فرِّق تسد وموِّل تسد".
لست كمواطن ممن شاركوا في الانتخابات. ولكن، بما أن اكثرية الناخبين منحوا اصواتهم لسلطة، وبما أن الغرب هو الذي اصر على الانتخابات، وبما انه يصر على بقاء سلطة اوسلو، فليقف الناخبون انفسهم ليقولوا لهذا الغرب: "لا تمويل إلا عبر السلطة المنتخبة".
++++++
* ملاحظة، نُشر هذا المقال في جريدة القدس المقدسية يوم 6 نيسان 2006، وقد اتصل بي د. سلام فياض وزير المالية السابق في الحكم الذاتي وأكد أنه لم يُسأل في أمر الاشراف على صندوق تمويلي بعيداً عن السلطة الحالية، وأنه لن يقبل باي دور كهذا من موقف مبدئي.
الآراء الواردة في المقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع أو محرري "كنعان". يرجى ارسال كافة المراسلات والمقالات الى عنوان "كنعان" الالكتروني: mail@kanaanonline.org
|